الدكتور يوسف الحزيم

(1) للفرحة أعداء، تجدهم في المنزل والمدرسة والجامعة والعمل وفي الاقتصاد والسياسة والإعلام والوطن.. حاول أن تتذكرهم.. إنهم حولك.. يشيعون الإحباط والقنوط واليأس والهزيمة إنهم يروجونها بالغيبة والنميمة والأكاذيب.. إنهم يسيئون الظن بالله والناس.. إنهم لا يسيئون الظن بالآخرة والحاضر فحسب بل بالمستقبل الذي هو محل آمال الناس وطموحاتهم دافعهم للبناء والعمران والحضارة. حاول أن تتذكرهم.. إنهم بعد دقيقة سيبادرونك في استعجال بأن يلقوا عليك قولا سقيما، فيه من الأدلة والقرائن المنتقاة من الزبالة.. لأن الذباب لا يقع إلا على القذى، والبعض من البعض سيستشهد لك بالآيات فيقول قال الله تعالى: (لا تَفْرَحْ إنَّ الله لا يُحِبُّ الفَرحِينَ) سورة القصص آية (76).. وتناسى قول الله تعالى: (فرِحِينَ بما آتَاهُمُ الله مِنْ فَضْلِه) سورة آل عمران آية (170). (2) إن الفرح ضده الحزن، وهو انفعال طبيعي وشعور وجداني تظهر آثاره على الجسم مع خفة في النفس وانشراح في الصدر. والسرور شدة الفرح.. كما أن العقل يفرح حينما يتعرف على جوهر الأشياء مجيبا على أن الأسئلة التي طرحها على نفسه فتطمئن. (3) علينا أن نكون كالنحل لا يقع إلا على رحيق الورد فنفرح الفرح المشروع.. والمشروع «من الشريعة» هو سعادة الإنسان ومقصد الشارع لأن للفرح محاسن كثيرة، ولا سيما هذه الأيام التي كثر فيها اللاطمون والغربان الفرحون بالزلازل والكوارث والأزمات، ذلك ما يلي: (4) الفرحة: وحدة.. ففي الفرح يجتمع الناس وكبار القوم في موقف يعبرون فيه عن توادهم وتراحمهم وتكاملهم.. ممتثلين لقوله تعالى: (واعْتَصِمُوا بحَبْلِ الله جَمِيعاً ولا تَفَرَّقُوا واذْكُرُوا نِعْمَة الله عَلَيْكُم إذْ كُنْتُمْ أعْدَاءً فَألفَ بَيْنَ قُلوبِكم فأصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إخْواناً وكُنْتُمْ على شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فأنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ الله لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) سورة آل عمران آية (103)، ففي الفرح يتناسى الناس الصغائر والفرحة تعم وتكنس في طريقها الحزن والهم فتنظف الذاكرة.. وتبقى وحدة الفرح. (5) الفرحة: رجال.. إذا أردت أن تعرف القائد العظيم والوجيه فانظر من حوله ساعة الفرح فإن الطيور على أشكالها تقع, والصقر يتحلقه غالبا صقور مثله، ولذا هو يزهو بهم يتفاخر ويتذكر زعيم بناء الدولة الإسلامية الأولى، ذكر البخاري في صحيحه قول عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – لجلسائه يوما: تمنوا, فقال أحدهم: أتمنى أن يكون ملء هذا البيت دراهم فأنفقها في سبيل الله، فقال آخر: أتمنى أن يكون ملء هذا البيت ذهبا فأنفقه في سبيل الله, فقال عمر: لكني أتمنى أن يكون ملء هذا البيت رجالا من أمثال أبي عبيدة بن الجراح، ومعاذ بن جبل، وحذيفة بن اليمان، فأستعملهم في طاعة الله.. قل لي من حولك حينما تفرح فأقول لك من أنت. (6) الفرحة: تنوع.. إن ساعة الفرح يدعى لها كل الناس عادة دون تمييز, واللقطة الكاملة تظهر تنوعا في المظهر والمخبر، فيكون الثراء, والثراء نمو وزيادة.. فتكون الخيارات كثيرة حينما تكون كذلك تنضج الأفكار والقرارات, فالفرح يمكّنك من رؤية الصورة العامة دون إقصاء لأحد، فينظر من دَعَيَ للفرح من رابية, والرابية هي استراتيجيا, والاستراتيجيا تعني قمة الجبل. (7) الفرحة: تقدير.. إن الفرح مناسبة لأن تعترف للناس بفضلهم وتكون وفيا مع ماضيهم، كما ترسل رسالة للجميع بأن المحسن والمنتج والمجد والملتزم والغيور على من حوله ووطنه يستحق التقدير وعرف قدره وفعله ويشهر به على رؤوس الأشهاد، داعيا الآخرين لمحاكاته وتقليده فيكبر الوطن بكثرة المقدرين، وإن لم تفعل ذلك فسيحتسب البعض ويصبر الآخر لكن البعض سيسقط في منتصف الطريق فيقل المقدرون ويصغر الوطن. (8) الفرحة: نكاية.. اجتماع الفرح يغيظ أعداءنا بالخارج والخارج فقط لأننا كسعوديين نختلف, فلسنا ملائكة، ولكن لم ولن نستعدي بعضنا إلا من كان معتوها أو مجنونا فلن نخرب بيوتنا بأيدينا، ونحن ننعم بالتوحيد والتنمية. إن الحزن والشحناء والبغضاء تفرح العدو قال تعالى: (إن تُصِبكَ حَسَنَة تَسُؤهُمْ وإن تُصِبْكَ مُصِيبةٌ يَقُولوا قَدْ أخَذْنا أمْرَنَا مِنْ قَبْلُ ويَتَوَلَّوا وهُمْ فَرِحُونَ) سورة التوبة (50)، وعن عقبة بن عمر الأنصاري قال: كنا مع النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في غزاة فأصاب الناس جهد حتى رأيت الكآبة في وجوه المسلمين والفرح في وجوه المنافقين, فلما رأى ذلك رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال: والله لا تغيب الشمس حتى يأتيكم الله برزق»، فعلم عثمان أن الله ورسوله سيصدقان، فاشترى عثمان 14 راحلة بما عليها من الطعام، فوجه إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ منها بتسع، فلما رأى ذلك النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال «ما هذا»؟ قالوا: أهدى إليك عثمان، قال: فعرف الفرح في وجوه المسلمين والكآبة في وجوه المنافقين, فرأيت النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قد رفع يديه حتى رؤي بياض إبطيه يدعو لعثمان دعاء ما سمعته لأحد من قبله ولا بعده، «اللهم أعط لعثمان اللهم افعل لعثمان» مجمع الزوائد للهيثمي. أيها السعوديون افرحوا وعمموا الفرح في كل مكان وأغيظوا. (9) الفرحة: عطاء.. إن الفرحين من الشرفاء والنبلاء تجد ثمار فرحهم في الآخرين، فهم يفرحون بفرح الناس، فيذكرون الفقير والمسكين وابن السبيل، فيزرعون الابتسامة على شفاه الجميع فيكمل له الفرح بالعطاء، والعطاء شيمة كبار القلوب، فهو يتألم بألم الناس، ويفرح بإسعادهم وعند الفرح تقل حسابات النفس الضيقة، فيبذل بذلا مؤمنا برضا الله ورضا الناس والنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول «ما من يوم يصبح العبد فيه إلا ويقول ملكان اللهم أعط منفقا خلفا, ويقول الآخر اللهم أعط ممسكا تلفا». أخرجه البخاري. كما قد برأت ذمته «حدثنا الطبراني قال: حدثنا محمد بن محمر التمار قال حدثنا محمر بن سعيد الأثرم قال حدثنا همام قال حدثنا مثبت قال حدثنا أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «والله لا يؤمن». قالوا: من يا رسول الله؟ قال: «من بات شبعان وجاره جائع». أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (751). (10) الفرحة: عودة.. اعلم أن الفرح ليس في كل حين.. فهو يذهب ويعود.. وإذا عاد بادر باستغلاله والابتهال به لأن بعد الفرح إما سكونا طبيعيا أو حزنا وغما, ولذا لا توفره إذا عاد أو تتردد بالابتهاج فتفوت الفرصة بل اغتنمها وكن إيجابيا واصنع من العودة مستقبلا, وفكر للأمام, كما فكر الأمير نايف بن عبد العزيز في دعوته للفرح وكلمته التي عبر فيها عن رؤيته لمستقبل الوطن، كي ما يفرح بك الفرح ويعود لك سريعا. يقول تعالى: «أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي ما شاء إن خيرا فخير وإن شرا فشر». رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة، وتفاءل بالفرح تجده. (11) الفرحة: سلطان وسلمان.. عاد ولي العهد صاحب السمو الملكي الأمير سلطان وصاحب السمو الملكي الأمير سلمان أبناء عبد العزيز بن عبد الرحمن بن فيصل بن تركي بن عبد الله بن الإمام محمد بن سعود. فعادت كل تلك المعاني بالتئام الأسرة تغشاهم راية التوحيد وتوحيد الراية منذ عام 1157هـ بقيادة كبيرنا خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز وستتعمق الفكرة في وجداننا أكثر فأكثر، إنها دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب وستزداد قوة الراية السياسية وستنهض النخبة بالتنمية المستدامة والإصلاح. فلا شريعة بلا ملك ولا ملك بلا رجال ولا رجال بلا اقتصاد ولا اقتصاد بلا عدل ولا عدل بلا إدارة ولا إدارة بلا وزارة ولا وزارة بلا أعوان. (12) أخيرا.. ندائي لكل سعودي على وجه الأرض أن يفرح لأننا أصحاب رسالة ومخزوننا من شيم العرب هائل وقدراتنا كبشر عظيمة وثرواتنا الجغرافية كبيرة وما نحتاجه اليقين بالله ثم بوحدتنا التي صمدت أكثر من «5000» سنة تحملنا الآلام والآمال, حلت علينا النبوة في أرضنا, وأكرمنا الله بالمصطفى فجعلت في حسنا الفكرة فتكامل البدن والعقل والنقل, والروح تضعف أحيانا, ولكن سرعان ما تستعيد وعيها وتؤثر في مشرق الأرض ومغربها. دمتم كل عام وأنتم فرحين، دمتم مع كل عودة مسرورين.

أضف تعليق على هذه التدوينة .. وشاركنا رأيك


كافة الحقوق محفوظة 2011 © لموقع الدكتور يوسف الحزيم