الدكتور يوسف الحزيم

عادة يبحث المثقف عن مشكلة ثم يكتب حولها وعن سبل حلها، وفي عهد خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز يندر أن تجد مشكلة ليس لها قرار موصوف بدقة ولها مخصصات في الموازنة العامة للدولة، إما بحلها جذريا أو أنها في طريقها الصحيح نحو تحجيمها؛ ما يعبر لك عن أن إدارة الحكم، إدارة استراتيجية وورشة تخطيطية محترفة تعرف الواقع بدقة وتتعاطى مع فائض الميزانية بمصداقية فنية عالية، في المقابل تلمس سرعة المخرجات، حينما يكون الحل ذا علاقة بالإنفاق، فيما بطؤها نسبياً بين وزارة وهيئة تنفيذية وأخرى، وذلك حينما يتطلب الحل إمكانيات وقدرات ومهارات إدارية، فقد وجدت أن البطء قد يرجع لعدة أسباب محتملة وغير أكيدة ينحصر جلها في نوع القيادة وفعالية أساليب الإدارة وكفاءة الرقابة والتغذية الراجعة، وأعود أؤكد أنه لو كان البطء ذا علاقة بالمالية العامة لكان البطء شمل المشروعات ذات العلاقة بالإنفاق التي تشهد تسارعا منقطع النظير يراقب من كثب.

1) احتمالات نوع القيادة.

1/1 يحتمل أن القرارات الاستراتيجية الكبرى تفوق قدرات واستعدادات ومعارف ومهارات بعض القيادات الحكومية لا سيما لأولئك الذين لم يحظوا بممارسة أو تجربة ميدانية أو تأهيل وتدريب قيادي ذاتي أو رسمي ملزم.

2/1 يحتمل أن القائد الحكومي يفتقد لفريق عمل قيادي تنفيذي مؤهل على مستوى الوكلاء أو الوكلاء المساعدين أو مديري العموم، وقد يكون هذا الافتقاد مقصودا حتى لا يشكل أي قيادي واعد تهديدا لاحتلال منصبه الوظيفي، أو غير مقصود لغياب آلية مرنة في الإحلال لا سيما لأولئك الذين ورثهم القائد الحكومي من قائد حكومي سابق له في المنصب وما زال يتمتع ببعض النفوذ ولذا يصعب نقله ويستحيل فصله، فتظل العلاقة باردة فتؤثر في المخرجات.

على الجانب الآخر، علينا أن نطور أساليب وتقنيات اختيار القيادات الحكومية المعتمدة على ترشيح الثقة وليس البحث والاستقطاب، مع تحويل اللجان المختصة إلى إدارة دائمة، فقرار اختيار القيادات هو في حقيقته قرار مصيري لاختيار المستقبل التنموي.

3/1 يحتمل أن القائد الحكومي يرغب في استقطاب كفاءات تنفيذية ولكنه يصطدم بسلم وظيفي لا يتجاوب مع معطيات العصر والواقع، فالوظيفة الحكومية ما عادت جذابة وغدت طاردة للكفاءات المحترفة التي تتقاضى ثلاثة أضعاف الراتب الحكومي. كما أن السلم ذاته لا يراعي مخاطر الوظيفة لا سيما لأولئك الذين بيدهم قرارات بملايين بل مليارات الريالات أو أولئك الذين بيدهم مستقبل أجيالنا في التربية والتعليم والتعليم العالي والتأهيل المهني على سبيل المثال، ولذا فإن معالجة السلم في فئاته العليا سيمكّن من الحفاظ على القيادات الحكومية واستقطاب قيادات أخرى من سوق العمل.

4/1 يحتمل أن القرارات الاستراتيجية الكبرى جاءت في توقيت أصبح فيه القائد الحكومي قد حقق أغلب توقعاته المادية والمعنوية، وبالتالي يفتقد للدافعية نحو الإنجاز والتفوق والعمل لا سيما إذا ضعف الوازع الديني والضمير الوطني اللذان هما أكبر المحركات الإنسانية على الإطلاق، فالأول يمنحك عمارة الآخرة والثاني يمنحك عمارة الدنيا.

5/1 يحتمل أن القائد الحكومي يملك الاستعدادات والقدرات والمهارات القيادية وفريق عمل مهني قادر على إنفاذ القرارات الاستراتيجية لكنه يخاف من البيئة المحيطة وتضارب المصالح بين مراكز النفوذ، وقد يكون خوفه غير حقيقي بل موهوم ومضخم نظراً لافتقاده الممارسة والحنكة السياسية.

2) احتمالات فعالية أساليب الإدارة.

1/2 إن التوسع الكبير في الأهداف والموازنات التخطيطية يصطدم بهيكل تنظيمي لم يحدث عليه تطوير وهيكلة استراتيجية تتناغم معه وتستوعبه كقنوات اتصال، ولذا يحدث التضارب واختناق القرارات.

2/2 إن التوسع الكبير في الأعمال يتطلب تفويض وإعطاء هامش مرونة وحركة لإمارات المناطق ثم المحافظات في كل منطقة كي تمارس تحقيق الأهداف حتى وإن ترتب عليه ارتكاب أخطاء، فمزايا التفويض تفوق بكثير عيوب المركزية ما يستدعي الحاجة لإنشاء وزارة الحكم المحلي.

3/2 هناك بعض المشروعات التي لا يمكن للقطاع الحكومي تنفيذها والإشراف على إدارتها إما بسبب نقص الكوادر المتخصصة أو لقلة هامش الزمن حينما يكون الهدف محورياً وملحاً، ولذا لا بد من التوسع في قطاع خصخصة الإدارة، مع الحرص على توظيف وتأهيل السعوديين ضمن شروط العقد.

4/2 أصبحت الحاجة ملحة نحو القيام باستشارة كبرى لتبسيط الإجراءات الحكومية بعد إنجاز تحديث شامل للقوانين واللوائح التنفيذية ثم نشرها لمنع التأويل السلبي من قبل المنفذين وبالتالي منع الفساد الإداري.

5/2 على وزارة التخطيط أن تؤسس قطاعاً متخصصاً في إدارة المشروعات، وتدرب جميع القطاعات الحكومية ذات العلاقة بتنفيذ المشروعات لتمكّن تلك القيادة الاستراتيجية من انسيابية كفاءة التنفيذ والحصول على تقارير دورية موضوعية بدلاً من التركيز على الحكومة الإلكترونية الذي هو مشروع طموح لكنه غير ممكن في البيئة الحالية باستثناء جانب العمليات منه.

3) احتمالات كفاءة الرقابة والتغذية الراجعة.

1/3 لا يمكن تنظيمياً لمن يراقب ويدقق على جهة حكومية، وكل منهما يرجعان إدارياً للقيادة ذاتها، ولذا يحبذ ربط ديوان المراقبة العامة لمقام الملك، على أن يضاف لتقاريره المالية البعد الإداري من قبل خبراء في الإدارة العامة حين يوضحون الأسباب الجوهرية ذات العلاقة بنوع القيادة وفعالية أساليب الإدارة.

2/3 تأكيد دور مجلس الشورى في الرقابة على الأداء، ومنحه الصلاحيات الممكنة بالتنسيق مع ديوان المراقبة العامة لاقتراح القوانين التي ستحل المشاكل ذاتها مستقبلا، وكذا تمكينه من المتابعة الميدانية عبر مراكز معلومات اجتماعية تقيس فيه مستوى وجودة الخدمات المقدمة من الوزارات والهيئات الحكومية، وبهذا نكون عرفنا رأي المستفيد النهائي “المواطن” حقيقةً. ما يعطي فرصة كل أربع سنوات للمراجعة عند التجديد أو التعيين الوزاري.

3/3 وضع نظام حوافز مكافأة المحسن ونظام عقوبات محاسبة المقصّر يتخطى الآلية الحالية ما يجعل تقارير قياس الأداء ذات اعتبار.

4/3 تحديد الأهداف ذات الأولوية كل عام ولتكن 20 هدفاً مثلاً وإحكام الرقابة عليها والإشراف المباشر من قبل هيئة من الخبراء في الديوان الملكي لا سيما تلك الأهداف التي تحظى بالأهمية القصوى، فالخشية أن تضيع تلك الأهداف في زحمة الأهداف التكتيكية الكثيرة في الجهاز البيروقراطي. وأفضل من هذا وذاك تأسيس الجمعيات الملكية السعودية المتخصصة في التربية والعلوم أو الفنون والآداب أو التاريخ أو الجغرافيا أو الهندسة كذراع استشاري محايد للديوان الملكي ما يعزز الشورى من جهة، واستيعاب التكنوقراط السعودي بالأداء الحكومي الاستشاري.

5/3 من المحتمل أن يكون بطء تنفيذ القرارات الاستراتيجية يعود لبطء الإعداد والبت في المناقصات، إما لضعف مهني، أو لأجندة شخصية للإداري الفاسد للمساومة على الوقت، ما يدعو التفكير جدياً في تأسيس الهيئة العامة للمناقصات الحكومية حين يقوم كل قطاع وهيئة حكومية بتحديد مشترياته وعقوده التجارية وغيرها ثم يحال للهيئة المختصة التي تراجع وتدقق ثم تدعو المتنافسين وترسي تنفيذ تلك المناقصات على الجهات الأكثر كفاءة وأقل تكلفة ثم تعيدها للجهة الطالبة مرة أخرى، وحينها نكون تمكنا من إحكام الرقابة والحد من أي فساد محتمل مع سرعة البتّ.

إن المراقب المحايد لا ينكر بل يشهد أن السعودية تشهد ورشة عمل كبرى دؤوبة نحو نهضة وقفزة حضارية نوعية والجميع في القطاعين الحكومي والخاص، وأخيراً القطاع المدني الأهلي يشاركون فيها وهم يعلمون أنهم منخرطون في مشروع التوحيد وتوحيد المشروع يحدوهم الأمل بالتفوق على أنفسهم نحو التنافسية العالمية وخلفهم قيادة تاريخية تقول نحن غير راضين.. تابع تصريحات الملك والنائب الثاني الأخيرة لتعلم أنها مسألة وقت.

إن هذه القيادة التاريخية ذات الـ 600 عام منذ عام 850 هـ ارتوت من عقل التاريخ فالعروبة.

قيل إن زرعة بن كعب بن زيد بن سهل وصى ابنه شداد، فقال: “يا بني، لو أن ملكاً يستغني بثاقب رأيه دون رأي الناس، لفضل عقله وكمال معرفته وبارع أدبه وفطنته وعلمه بما تقدم من التجارب لأسلافه مع ما حفظه ورواه وأحاط به من سنن الأوائل من الآباء والملوك من قومه وسنن الماضين من الأجداد، ما أغناه عن مشاركة أهل الآراء ومشاورة الأقيال ووصية الموصين، لأن لا بد للملك ممن يعينه في الرأي والأمر والنهي، ولا بد له من مشير يحمل عنه بعض ما يثقل عليه”.

أيها السعوديون.. إننا نثق بالله ثم بماضينا.

أضف تعليق على هذه التدوينة .. وشاركنا رأيك


كافة الحقوق محفوظة 2011 © لموقع الدكتور يوسف الحزيم