الدكتور يوسف الحزيم

( 1 )

أطلق خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز آل سعود، مبادرته للسلام معتمدا على مبادئ الحكم السعودي ومنها أن قوة السياسة مقدمة على سياسة القوة، وقد تبناها العرب في مؤتمر القمة المنعقد في بيروت عام 2002 م وسُميت المبادرة العربية للسلام.

يعمل السياسي الجبل وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل الآن على نقل ملف المبادرة العربية لمجلس الأمن للضغط باتجاه الاعتراف بالدولة الفلسطينية فيما يلوح الرئيس الفلسطيني بإعلان الدولة من جانب واحد بعد المفاوضات غير المباشرة لمدة أربعة أشهر وفرنسا وروسيا تدعوان لمؤتمر دولي جديد فيما إسرائيل تحاول شن حرب للتعمية على أزمتها وخلط الأوراق في المنطقة.

( 2 )

إن البيت السعودي مخلص لقضيته ولا يحتاج الواثق للمزايدة، وعقلاني الطرح لأنه يعرف الفرق بين الممكن وغير الممكن، فالسياسة لا ينفعها إلا الرجل المكيث، كما أنه يفرق بين الرغبة «العاطفة» والقدرة، وراسخ وعميق في سياسته كعمق تاريخه السياسي لأكثر من 600 سنة من الممارسة وفن الحكم منذ عام 850 هـ، مؤمن بثوابته فبالرغم من الصلات الاقتصادية والتعليمية الوثيقة مع الغرب الذي يتواطأ أحياناً مع قوى إقليمية ويستخدم الضغوط السياسية والإعلامية والعسكرية المحدودة لتقديم تنازلات للتطبيع وتخلي المملكة عن زعامتها للعالم الإسلامي، فالقدس وقف إسلامي مفتاحه عند عمر بن الخطاب ـ رضي الله عنه ـ في المدينة المنورة والمملكة طالما تجاوزتها فلم نفتح سفارة ولم نفاوض ولم نعقد صفقات أسلحة عبر إسرائيل لقتل العرب، إن الخيار السعودي هو أحد الخيارات الأربعة المطروحة في الشرق الأوسط:

1) الخيار الأمريكي: آمن أخيراً بحل الدولتين ولا يستطيع تنفيذه، فهو خاضع للإملاءات الإسرائيلية المتكئة على نفوذ اللوبي الصهيوني والثقل الانتخابي والاقتصادي وسلاح معاداة السامية، فأصبح طفلاً مدللاً للغرب كما صرح بذلك سمو الأمير سعود الفيصل، وعلى العرب أن يطبعوا مع إسرائيل «الاعتراف» ثم ينتظروا النتائج المتوقعة ولا أحد يعرف شكل الدولة وحدودها ومصير القدس واللاجئين ومتى.. حتى دون ضمانات أمريكية.. باختصار قدم تنازلات استراتيجية أخيرة ثم فاوض.

2) الخيار الإيراني: لا يؤمن بحل الدولتين وسيدمر إسرائيل فيقيم المهرجانات الخطابية «الصوت العالي المرتفع» ويلبس الكوفية الفلسطينية، يصنف الخائن ويعطي صكوك البراءة ودخول الجنة، وقليل من كفالات الأيتام لأسر الشهداء لإعطاء شيء من المصداقية، ثم يفاوض على مصالح قومية ضيقة إما لاقتناء السلاح النووي أو تثبيت المكاسب في العراق وأفغانستان بعدما تحالف مع الشيطان الأكبر «أمريكا» ضدهما.

يمكن لأي نظام سياسي مأزوم أو معارض مطارد أن يلتحق بهذا الخيار وأيضاً للتفاوض وتحقيق مكاسب آنية.

إن السلام في المنطقة يهدد سلامة الأنظمة التي تعيش في شرعيتها على مواجهة العدو الخارجي فلا تنمية ولا تحديث أو تطوير ولذا هذا الخيار لا يريد السلم كما لا يريد الحرب أيضاً، وهذا في النهاية خيار إسرائيل الأول.

3) الخيار الثوري: يؤمن بحل الدولتين سراً ويرفض الحل علناً متناقضاً بين ثوابته العقدية وسلوكه السياسي ولا يستطيع أن يوضح ذلك للشعوب فيدخل في مغامرات غير محسوبة فيقاوم مقاومة عسكرية دون مقاومة سياسية استراتيجية ضمن خليط من التحالفات والتقاطعات ما يجعل أجندته منشغلة بأجندات عدة، فلا تعرف لماذا بدأت المقاوم ثم لا تعرف لماذا توقفت!! دائماً.. دائماً.. يقول لك دماء الشهداء تسقي قضيتنا.. ثم يكتشف تعرضه للخيانة من أقرب الحلفاء إليه من الخيار الثاني، وغالب المنتمين إليه مخلصون فقدوا الطريق الصحيح.

4) الخيار السعودي: يؤمن بحل الدولتين في سلوك سياسي رزين فلا يذهب لأي من الخيارات الثلاثة، ويحافظ على استقلاليته ووسطيته فلا تطبيع ولا مزايدة «استخدام»، ولا مغامرة ويطالب بالصبر والمثابرة والدفع باتجاه الضغط باستراتيجية ورؤية واضحة مقنعة ومتماسكة وتحظى بالقبول الإقليمي والدولي مع العناية بالدعم الاقتصادي والفريد للشعب الفلسطيني وحكومته وتوحيد الصف الفلسطيني وحقه المشروع في مقاومة المحتل.

إن العقل السعودي بخبرته يقرأ العقل الصهيوني ويناجزه بأدواته يقول أوفير أوكنس في جريدة «إسرائيل هيوم» عن زئياف جابو تنسكي إنه أحد الأوائل الذين فهموا أن الكفاح الناجح يترافق وخلق رأي عام في صالح الفكرة التي يرغب في تقدمها.

( 3 )

إن الخيار السعودي يحتاج لمكمل يعبأ خلاله المجتمع الأهلي «المدني» العربي والإسلامي والدول الرئيسة فيه نحو استراتيجية تحرك شاملة داعمة للجهود السعودية ونجاحنا في نقل الحركة مع بقاء الجهود الحالية، فالمجتمعات الأهلية غدت لاعباً رئيساً في السياسة الوطنية والدولية وذراعاً مؤثراً وغير مكلّف كما هو قناة تعبير وتحرك شعبي صحية تستوعب مشاعر وعواطف الناس وتطلعهم ولا سيما أن قضيتنا عادلة والتوقيت مناسب للغاية لأن نقوم بدور «طالوت» فنحن ورثته العقائديون فنؤمن والإمام محمد بن عبد الوهاب كما آمن هو: «أن لا معبود بحق إلا الله»، فيما إسرائيل تقوم بدور «جالوت» المتكبر الغاشم، كما أن الإدارة الأمريكية الجديدة وعلى رأسها أوباما المنفتح والمؤمن بأن إسرائيل أصبحت عبئاً على الأمن الاستراتيجي للولايات المتحدة ففي عام 2004 م قال مجلس الدفاع المعرفي الذي شكله البنتاجون: «المسلمون لا يمقتون حريتنا، بل يكرهون سياستنا، فمعظم المسلمين يعارضون الدعم المنحاز لـ «إسرائيل « الذي يحول دون حقوق الفلسطينيين» إنني على ثقة بأن الوسيط الأمريكي الجديد والنزيه «نسبياً» وعلى رأسهم ويليم بيرنز وجورج ميتشل يحتاج إلى زخم للمبادرة السعودية للضغط على إسرائيل، كما أن المتربصين بنا سيعوقون نجاح المبادرة السعودية ونحن على أبواب انعقاد القمة العربية في ليبيا عام 2010 م.

إن تحرك المجتمع الأهلي «المدني» في المملكة العربية السعودية وبعض الدول العربية والإسلامية سيكون وفق ما يلي:

1) تشكيل وفد من المثقفين «العقلاء» العرب والمسلمين لشرح المبادرة العربية لدى مراكز النفوذ السياسية والثقافية في العالم.

2) إقامة معارض لشرح مأساة الشعب الفلسطيني والمجازر والترويع والتهديد الذي تعرض له.

3) التواصل مع المنظمات الدولية المهتمة بالطفل والمرأة وحقوقهما.

4) إبراز البطولات الوطنية والتاريخية وطباعة قصصها للناشئة.

5) مقاطعة المنتجات الإسرائيلية في الدول العربية والإسلامية ومطالبة بقية دول العالم بمقاطعة المنتجات الإسرائيلية المصدرة من الضفة الغربية والجولان المحتل.

6) التعبئة العامة الدينية من خلال خطب الجمعة وفضح التاريخ العنصري لإسرائيل ومفاخرتها بالنقاء العرقي.

7) الاتصال والتأشير بالقوي والشخصيات الرافضة للتسلط الإسرائيلي ومنها اليسار العالمي والاشتراكية الدولية.

8) الرفع لهيئة الأمم المتحدة طلباً للاعتراف.

9) التأكيد على شرعية المقاومة داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967م.

10) عقد لقاء دولي للحوار بين العلماء المسلمين ورجال الدين اليهود وإظهار النصوص الشرعية التي تكفل حرية التدين والتفريق بين العدو المحتل «إسرائيل» وعصمة دم اليهودي غير الحربي.

11) الانتفاضة الشعبية داخل الضفة الغربية.

12) توحيد الجبهة الداخلية الفلسطينية «الوحدة الوطنية».

13) تخفيض الدول العربية والإسلامية التي لها علاقة بإسرائيل تمثيلها الدبلوماسي وممارسة الضغوط السياسية عليها.

14) تحريك دول عدم الانحياز باتجاه الاعتراف بالدولة الجديدة.

15) العناية بالآثار الدينية العربية والإسلامية في فلسطين.

16) إنتاج فيلم وثائقي قصير مدته 15 دقيقة ومؤثر يبث عالمياً.

17) نشر في الصحافة الدولية البارزة – مطالبة العالمين العربي والإسلامي بالسلام والاعتراف بالدولة الجديدة.

18) إعداد موقع إلكتروني تفاعلي عالمي يشرح فيه القضية الفلسطينية بعدة لغات ثم يطالب بدعم الاعتراف.

19) كفالة 20 ألف أسرة فلسطينية منها عشرة آلاف من رجال أعمال فلسطينيين ميسورين في المهجر والوطن العربي ويكون أغلب المستفيدين منها أسر الشهداء.

20) كفالة ألف حلقة تحفيظ قرآن وإقامة مسابقة القدس لحفظ القرآن الكريم.

21) إرسال عشرة ملايين رسالة بريد إلكتروني لأعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي والفرنسي والبريطاني والألماني والياباني والصيني والروسي لطلب دعم الاعتراف بالدولة الجديدة.

22) دعم زواج عشرة آلاف شاب فلسطيني.

23) رفع دعاوى جرائم الحرب في المحاكم الدولية المختصة ضد القادة الإسرائيليين.

24) إعادة الاعتبار للجواز الفلسطيني وتحسين أوضاعهم كلاجئين في الدول العربية ثم منع توطينهم.

25) تشجيع إدخال القضية الفلسطينية أرقام جينس العالمية على سبيل المثال تجري مسابقة عالمية عن أكبر لوحة علم فلسطيني.

26) على القوى الفلسطينية كافة أن تقوم بإدخال إصلاحات قيادية واسعة داخل أطرها التنظيمية ومنح القيادات الفلسطينية الشابة والمخلصة والنظيفة المحترفة دورها التاريخي.

27) إعداد فريق من المحامين الكبار في العالم العربي لوضع دستور الدولة الفلسطينية المقبلة.

28) التواصل مع ألف معلق ومذيع بارز عالمياً.

29) تكثيف عمل المنظمات الإغاثية والإنسانية والقيام بحملة كبرى لجمع التبرعات.

30) حض المنظمات والأحزاب والشخصيات العربية والإسلامية في المهجر وخاصة في الولايات المتحدة على الضغط.

31) مقاطعة الشركات المانحة فقط للكيان الإسرائيلي.

32) تكوين فريق من المسيحيين العرب من الطائفتين الأرثوذكسية والكاثوليكية لطلب دعم اعتراف المراجع الدينية بالدولة الجديدة.

33) طباعة مليون نسخة من أفضل عشرة كتب ألفها أجانب منصفون عن القضية الفلسطينية ثم توزع على مراكز البحث العلمي و كبار المثقفين والسياسيين البارزين في العالم.

34) إعداد وثيقة يوقع عليها مليون فلسطيني يطالب بحق العودة ولاسيما من فلسطيني 1948م.

35) إنشاء صندوق لدعم المشاريع الصغيرة بالتضامن مع المنظمات الدولية لخلق وظائف للفلسطينيين في قطاع غزة والضفة الغربية بمبلغ قدره 150 مليون دولار.

36) تكريم الشخصيات العالمية التي قدمت إنجازات خاصة لدعم القضية الفلسطينية.

37) إعداد قائمة سوداء للشخصيات العالمية التي تعادي الحق المشروع للشعب الفلسطيني ومعاقبتها بالتشهير بها وإرسال 100 ألف رسالة لإدانة أفعالها.

38) إقامة 100 مسرحية للطفل في أنحاء العالم تحكي معاناة الطفل الفلسطيني.

39) توزيع عشرة ملايين كوفية لطلاب الجامعات في العالم والطلب بدعم قضيتنا العادلة (الاعتراف بالدولة الجديدة).

40) تشكيل فريق رياضي «كرة قدم» نصفه من فلسطين الداخل والنصف الآخر من أبرز لاعبي العالمين الإسلامي والعربي وإقامة مباريات يكون ريعها لصالح الفلسطينيين.

إن المشككين في جدوى تلك المقترحات عليهم ألا يتسرعوا في الحكم عليها قبل قراءاتهم مذكرات بن جوريون وآريل شارون وكتاب مكان تحت الشمس لنتنياهو.

(4)

إن هذه المقترحات لن تجد طريقها للتنفيذ دون آلية عمل ومنها:

1) تكوين مجلس تنسيق من السعودية ودول الطوق العربي وتركيا وماليزيا للإشراف على تنفيذ الخطة.

2) تخصيص مبلغ مليار دولار كميزانية تقديرية لتلك الأنشطة.

3) مدى الخطة ثلاث سنوات.

4) تشكيل أمانة عامة من وزير خارجية السعودية وعضوية الأمين العام لمنظمة المؤتمر الإسلامي وأمين جامعة الدول العربية و40 عضواً من خيرة قيادات المجتمع الأهلي «المدني» يرأس كل عضو هدفاً من الأهداف.

5) تشكيل محكمة من كبار قضاة العالمين العربي والإسلامي لتقدير مصلحة السياسة الشرعية للبت سريعاً في أي خلاف قد يطرأ ولم يحل بالطرق الودية.

6) تتقاسم المجتمعات الأهلية في الدول العربية والإسلامية، 40 هدفاً وفق تقدير مصلحة تحقيق أهداف المقاومة نحو «الاعتراف بالدولة الجديدة».

( 5 )

إن خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز معني بالقضية الفلسطينية ليس لأنه امتداد تاريخي للبيت السعودي فحسب بل لأنه القائد الأكثر شعبية في العالمين العربي والإسلامي ويتميز بالمبادرة التي أصبحت أحد أكبر عناوينه الذاتية وهنا تتجلى الزعامة بالقدرة على إشعال الفتيل في قادة العالمين العربي والإسلامي والوطن كي يحركوا الأتباع باتجاه أهدافنا العليا التي أصبحت قضية كل أحد.

إن الخيار السعودي هو الخيار الوحيد والممكن والأكيد ـ بإذن الله ـ لحقن دماء المسلمين وإسقاط المفلسين المتاجرين بها وإلحاق الهزيمة بالتطرف الإسرائيلي المختبئ بقوة السياسة قبل سياسة القوة وتوجيه الطاقة نحو البناء والتنافس الحضاري بالإعداد لتملك القوة بكل مفرداتها ومعانيها.

أيها السعوديون.. دمتم بقوة يا قوة الأمة.

أضف تعليق على هذه التدوينة .. وشاركنا رأيك


كافة الحقوق محفوظة 2011 © لموقع الدكتور يوسف الحزيم