د. يوسف الحزيم

د. يوسف الحزيم

 

 

 

(1)

المعلمون ثلاثة أصناف .. ثلة من المعلمين الأخيار وقليل من المتوحشين الأشرار وكثير من الموظفين صغار الهمة. قبل حديثي عن من علمني حرفاً فكنت له عبداً، أود أن أطرح سؤالاً: ما الأستاذ؟ الأستاذ عبارة عن امرأة أو رجل تربى ثم تعلم وما آمن به فعله عن طوع واختيار وكثرة الفعل تصبح اتجاهاً، والاتجاه عبر الزمن يغدو عقيدةً، والفعل لن يعدوا أمرين إما صواب أو خطأ .. والسؤال ما الصواب وما الخطأ؟ إن الصواب ما ترك أثراً إيجابيا عظيما في وجدان الطالب، والخطأ ما ترك ضده.

(2)

تقع مدرسة عمر بن الخطاب “رضي الله عنه” الابتدائية 1389 هـ بمدينة الثقبة بمحافظة الخبر ومديرها آنذاك الأستاذ عيد صاحب البشرة السوداء كسواد بلال الذي سمع الرسول صلى الله عليه وسلم قرع نعليه بالجنة كان – رحمه الله – ذا إدارة مخلصة فعّالة حاضراً في كل مكان لا يحمل في جنبات عقله سوى أنه أب لكل من هو داخل أسوار المدرسة الذي تخرج منها بشهادته العليا الابتدائية فقط. لم ولن أنسى تلك الابتسامة الحانية والقامة المحترمة والروح الفياضة .. يا الله! ما أروع الرأس حينما يكون صالحاً مصلحاً فيقتدي به الصغار والكبار، كان داخل الأسوار أيضاً صنف آخر أستاذ شرس على النقيض منه إنه الأستاذ الشرس خلفان، ضربني ذات مرة بمسطرة على يدي البريئة والبدائية، فأعطب إصبعي الصغير والصغير جداً، وكونه يعرف سطوة أبي أهداني مصحفا جديداً وأخرجني مبكراً .. إنها ذات الرشوة منذ زمن غابر .. لقد شارفت على الخمسين ولازلت حاقداً، فالضرب والإهانة وسوء المعاملة في الصغر كالنقش على الحجر.

كانت العصا قدرنا تلك الأيام فغزو الأيادي مقدم على غزو العقول، والعجيب كنت أتحمل بعضها وأحسن الظن بحاملها رغم قسوته حينما يكون متديناً صاحب رسالة كالأستاذ المدرع أو الأستاذ على الزريق الذي أهرب من هيبته بالشارع على مسافة ثلاثمائة متر على الأقل ثم أبحث عنه يوم الجمعة لأتلقف خطبته المختلفة عن الآخرين !! فأمشي لها ثلاث كيلومترات وعمري لا يتجاوز العشر سنوات. إن من يترك أثراً كان ولا يزال هم أصحاب قضية، وما عداهم لا أذكرهم البتة مهما علا شأنهم.

(3)

تقع مدرسة الثقبة النموذجية 1394 هـ ومديرها النجدي الأشم الأستاذ العواجي على مسافة أقل من فرسخ!! عن مدرستي الابتدائية، أتذكر صفي أول متوسط (ج) والأستاذ محمد الجوهي معلم التفسير والحديث الذي كفّ الله عينيه وفتح بصيرته على مصراعيها، فكنت أقوده بين الفصول … كان نظيف الباطن والظاهر ونظيف التلقي والفهم، لقد ترك أثراً كنت أبحث عنه .. لا أدري ما سبب تعلقي بمواد الدين ومادة الرسم وأستاذها المبدع جوزيف المسيحي الذي طٌرد بوشاية من أخيه المصري الآخر رغم إخلاصه لفنه واحترامه لقيم وتقاليد المجتمع البدوي المحافظ. كنت أقضي عنده وقت الفسحة بالمشغل لرسم لوحة فيها مسجد بقبب جميلة ومئذنة تحلق حولها الطيور وسماء زرقاء وشمس مشرقة وأكتب فيها: “نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء”.

من الأساتذة المتوحشين فيها الأستاذ المتوحش أحمد هيكل الذي منعني هوياتي في تشغيل إذاعة الصباح كنت حينها فخوراً مزهواً بالمسئولية طائعاً متطوعاً ابحث عن ذاتي بأن أصنع فرقاً ولو كان صغيراً .. لقد شارفت على الخمسين ولا زلت حاقداً أيضاً ليس لأنه منعني فهذا من حقه، بل لأنه لم يخبرني بالأسباب حتى الآن!!

إنّ الطالب في المتوسطة يتعلم من أقرانه في مرحلة المراهقة، أكثر من أي شيء آخر، وعندها الطيور على أشباهها تقع، ومن تلك الطيور الصديق الكريم العزيز عبدالرحمن بن محمد المقهوي الملتزم علمياً المتفوق رياضياً وكذلك الطالب النجيب السيد محمد عجوزة الذي أحببت عمله ولم أهضم شخصيته والصديق الفلسطيني هاني البيطار الذي هضمت شخصيته ولم يعجبني علمه فقد التهمت وتبادلت معه بكثافة قصص الألغاز “تختخ وجماعته” وقصص المغامرات “الوطواط وجماعته”.

(4)

تقع مدرسة ثانوية الثقبة النموذجية 1390 هـ على بعد خمس كيلومترات عن منزلي بالقرب من المسجد الكبير بشارع مكة وقد استخدمت كافة المواصلات للوصول لها، منها ما هو كعابي “القدمين” غالباً والسيارة أحياناً والدباب “الدراجة النارية” والدراجة الغير نارية ذاتها نادراً .. أتذكر مديرها الأستاذ جمعة ابن القطيف المربي الجاد المتسامح واللطيف الذي أطلق النشاط اللاصفي بلا حدود في مرحلة انفجار الفتوة وكان فارسها الأستاذ ربيع الذي احتضن قدراتي فبرزت مهاراتي الرياضية والإدارية فبخطى الجميل حسب ما يقولون مكثت ساعات طويلة في تنظيم البطولات المدرسية والإشراف على الكشافة تحت رعاية أستاذ الدين الشيخ محمد الطوخي “رحمه الله”.

(5)

كما رأيت عزيزي القارئ لم أكن بليداً ولم أكُ ذكيا إنما كنت مولعاً بالقادة الخيرين المصلحين وأمقت الأشرار المتوحشين ساعياً لترك أثراً لقضية أؤمن بها بقليل من الدين والرسم والرياضة وشيئاً من المتعة نافعاً وطني وساكنيه نائماً بالليل مرتاح الضمير، مستيقظا صباحا يحدوني الأمل.

أضف تعليق على هذه التدوينة .. وشاركنا رأيك


كافة الحقوق محفوظة 2011 © لموقع الدكتور يوسف الحزيم